ابن أبي الحديد
48
شرح نهج البلاغة
من خمسين ألف دينار وهذه حاله ، لم تظهر عليه آثار نعمتنا ! والله لا دفعت إليه شيئا ، وخروج ولم يعطه . ومنها قوله واعلم أن أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة من نفسه وأهله وماله " ، أي أفضلهم إنفاقا في البر والخير من ماله ، وهي التقدمة ، قال الله تعالى : ( وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه ) ( 1 ) ، فأما النفس والأهل ، فإن تقدمتهما في الجهاد ، وقد تكون التقدمة في النفس بأن يشفع شفاعة حسنة أو يحضر عند السلطان بكلام طيب ، وثنا حسن ، وأن يصلح بين المتخاصمين ، ونحو ذلك ، والتقدمة في الأهل أن يحج بولده وزوجته ويكلفهما المشاق في طاعة الله ، وأن يؤدب ولده أن أذنب ، وأن يقيم عليه الحد ، ونحو ذلك . ومنها قوله : " وما تقدم من خير يبق لك ذخره وما تؤخره يكن لغيرك خيره " ، وقد سبق مثل هذا ، وأن ما يتركه الانسان بعده فقد حرم نفعه ، وكأنما كان يكدح لغيره ، وذلك من الشقاوة وقلة التوفيق . ومنها قوله : " واحذر صحابة من يفيل رأيه " الصحابة بفتح الصاد ، مصدر صحبت والصحابة بالفتح أيضا جمع صاحب ، والمراد هاهنا الأول ، وفال رأيه : فسد ، وهذا المعنى قد تكرر ، وقال طرفة : عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * فإن القرين بالمقارن يقتدى . ومنها قوله : " وأسكن الأمصار العظام " ، قد قيل : لا تسكن إلا في مصر فيه سوق قائمة ، ونهر ، جار وطبيب حاذق ، وسلطان عادل ، فأما منازل الغفلة والجفاء ، فمثل قرى السواد الصغار ، فإن أهلها لا نور فيهم ، ولا ضوء عليهم ، وإنما هم كالدواب
--> ( 1 ) سورة البق ة 110 .